إزداد نمو حلب في النصف الثاني من القرن الخامس عشر , وكثر العمران فدبت الحياة في الأحياء الفقيرة خارج الأسوار , نشأت أحياء جديدة على أطراف المدينة الشمالية الشرقية وتوسعت الأسواق , وإستمر نمو المدينة وتطورها في مطلع القرن السادس عشر
وأصبحت حلب أهم مركز تجاري في شرق البحر الأبيض المتوسط , وفي القرن الثامن عشر ضعف مركز حلب التجاري وأصاب المدينة الفقر والعَوز وخاصة بعد كارثة الزلزال الذي ألم مدينة حلب عام 1822 إلا أنها إستردت نشاطها التجاري الدولي في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين , فخضعت حلب لتأثيرات أوروبية منذ ذلك الحين وحتى يومنا الحاضر.
أهم ما خلفته العصور التاريخية من مبان وبيوت هي في الواقع سلسلة متصلة الحلقات من الآثار المدنية والدينية والعسكرية منذ القرن الحادي عشر , ويمكن قراءة تاريخها على الأبنية ذات الأنماط المتعددة والطابع الخاص المميز لفن العمارة في كل عصر, وتمتاز هذه الأبنية بفعاليتها العملية التي تعكس تطور مدينة حلب التجاري والصناعي والفكري , والإدراك الفني الذي إستطاع أن يستوعب كل حاجات الشعب وتطلعاته الروحية والمادية , وإن تم ذلك أحيانآ على حساب المسحة الفنية الجمالية لشكل البناء الخارجي الذي شيد بعض الأحيان وعليه مسحة دينية , ولكنه مبني بحساب ودقة وفطنة , إذ كان الفنان الحلبي يفتش عن السطر قبل اللون وعن النطق قبل النقش وعن الوضوح قبل اللمعان , ولفهم نوعية الجمال في الأبنية العربية الحلبية يحتاج المرء إلى ملكة خاصة يستطيع من خلالها تقييم بساطة البناء وتواضعه وزخرفته وجمال تناسقه , وتقوم أسوار حلب فوق أسوار أقدم منها تعود إلى فترات قديمة ترقى إلى العهد اليوناني والروماني والبيزنطي والإسلامي , وفي شكلها الحالي وخاصة في طبقاتها العليا تعود إلى القرن الخامس عشر( العصر المملوكي ) والطبقات السفلى إلى القرن الثالث عشر ( العصر الأيوبي ) أما أبواب المدينة يعود اقدمها إلى القرن الثالث عشر وأحدثها إلى بداية القرن السادس عشر وأهمها : باب إنطاكية , وباب النصر, وباب قنسرين , وباب الفرج , وباب المقام , وباب الحديد , وباب الجنان ( باب جنين) .
تقع ( قلعة حلب ) على مرتفع نصفه طبيعي والنصف الآخر إصطناعي , والقلعة بشكلها الحالي تعود إلى بداية القرن الثالث عشر ( السلطان الملك الظاهر غازي ) وهناك أبنية كثيرة تعود إلى القرون الرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر , وأهمها السوار والأبراج والمداخل الرئيسة والجامع الكبير والجامع الصغير وقاعة العرش , والثكنة من عهد ( إبراهيم باشا إبن محمد علي باشا) هذه النماذج تعطينا فكرة عن طبيعة العمارة العسكرية في العهدين (الأيوبي والمملوكي) والأبراج المربعة والمداخل الملتوية وفتحات السهام والسقاطات التي يصب من خلالها الزيت المغلي والكلس المحترق ماهي إلا شواهد على فن العمارة الدفاعية العربية في القرون الوسطى
الجامع الكبير : الذي شيد في عهد الخليفة الأموي سليمان 715-717 وأقدم فترة فيه تعود إلى عهد المماليك , ماعدا المنارة التي شيدت عام 1090 م , وتعد قمة فن العمارة العربية الإسلامية , والمنبر الخشبي يعود إلى القرن الرابع عشر , وقد تم هدم الجامع وأعيد بناؤه عدة مرات .
مشهد الحسين : وكما تذكر الروايات أنه من بناء سيف الدولة على سفح (جبل الجوشن) غرب المدينة وذلك إعتمادآ على رؤيا لأحد أقرباء الرسول , وللضريح باب عظيم مزخرف بمتدليات وقباب وعقود ذات طابع معماري مميز , والقبر مصنوع من الخشب المحفور ويعود إلى القرن الثالث عشر ميلادي .
المدرسة الظاهرية : وهي اشهر المدارس الإسلامية والتي تفتخر بها حلب وقد بنيت في عهد (الظاهر غازي) 1217 م , وللمدرسة باب عظيم مثقل بمتدليات حجرية رائعة ورواق فيه أعمدة حجرية , وصحن مطَعمْ بأشكال هندسية فائقة الجمال وغرف للطلبة وطابق علوي ومحراب جيد الصنعة .
مدرسة الفردوس : بنيت من قبل ضيفة خاتون زوجة الملك الظاهر غازي , وهي محلاة بالمتدليات والأعمدة والأخشاب المحفورة ومحرابها مصنوع من الرخام المجزع وهو من أجمل المحاريب بتداخل أحجار مرمره وإنعكاس ألوانها البديعة , ومن بين المدارس الهامة بحلب المدرسة الحلوية المقابلة للمدخل الغربي للجامع الكبير , والمدرسة الشرفية والأحمدية والسلطانية والعثمانية .
الدور الحلبية : تتالف الدورالحلبية عادة من واجهة مرتفعة يؤدي الباب فيها إلى صحن الدار المكشوف الذي يتوسطه حوض ماء تحيط به أشجار البرتقال أو الليمون أو النارنج أو الكبَاد , وأمام المدخل (إيوان) كبير عال تتصل به غرفتان من كل جانب , وتتوزع باقي الغرف الأرضية حول صحن الدار وهناك غرف علوية , وغالبآ ما يخصص قسم من الدار للنساء( الحرملك) وقسم آخر للرجال (السلاملك) وأجمل مافي هذه الدور الخشبيات السقفية والجدارية والزخارف الرخامية المرمرية والكتابات المذهبة التي تتضمن بعض آيات القرآن الحكيم أو الحديث الشريف أو الشعر والحكم الجميلة .
أسواق حلب: تعتبر أسواق حلب من أجمل أسواق مدن الشرق العربي والإسلامي بما تمتاز به من طابع عمراني جميل إذ توفر بسقوفها الضخمة جوآ معتدلآ لطيفآ يحمي من قيظ الصيف وقرّ الشتاء , وهي على شكل خطين موازيين لجدار الجامع الكبير الجنوبي وتعود بتاريخها إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر, وثانيآ : تتألف من مجموعة مكونة من سوق وخان وقيسرية ويفيد هذا التقسيم في دراسة تاريخ العمارة وفهم الحياة الإقتصادية والإجتماعية والدينية لمجتمعات تلك العصور , ومن المفيد أن نتعرض بالذكر إلى (خان الشونة) الذي كان في الأصل عبارة عن سوقين أحدهما شمالي والآخر غربي , وقد حولهما قبل العام 1925 (آل ماركوبولي) من التجار الإيطاليين المقيمين منذ زمن بعيد في مدينة حلب إلى خان كبير عرف فيما بعد بإسم (خان الشونة
يوجد في حلب عدد كبير من الخانات الجميلة الضخمة , وإن دل عدد الخانات الكبير على شئ فإنما يدل عل دور حلب التجاري الهام عبر العصور, وتتألف هذه الخانات من مدخل عظيم مرتفع مزدان بضروب من الزخارف الهندسية الجميلة ويؤدي هذا المدخل إلى صحن واسع كان يحوي قديمآ إسطبلات للدواب وغرف أرضية وعلوية لتخزين البضائع ومبيت التجار , ومن هذه الخانات ,خان الصابون وخان الوزير وخان الجمرك وخان العلبية .
|